جلال الدين الرومي

71

فيه ما فيه

يتوافر بعقله على صالحهم . والعقل في جسد الآدمي كالأمير ، وما دامت أعضاء الجسد منقادة إليه فهو يسعى إلى صلاحها فإن تمردت عليه فسدت جميعا . ألا ترى سكيرا حين يأتي مخمورا كم من الفساد تسببه يداه وقدماه ولسانه وأعضاؤه ، وحين يفيق في اليوم التالي يندم على ما فعل وسب وضرب ؟ ! إذن فحين تنصلح الأمور في قرية فبسبب أن لها مرشدا يطيعه أهلها ، وكذلك العقل يفكر في إصلاح رغبته حين تنصاع إليه فإذا فكر في السير سار إن أطاعته القدم وإلا ما فكر في السير والعقل في الجسد أمير وهذه الموجودات الأخرى وهم الخلق فهم على تلك النسبة وبهم جميعا العقل والعلم والنظر والرأي ، لكنهم على الجملة جسد محض والعقل أو المرشد فيهم أمير فإذا لم يطع الخلق أو الجسد العقل مضت أحوالهم في اضطراب وندم وإذا أطاعوه كما يجب وفعلوا ما أمر به لم ينصاعوا إلى عقولهم هم ؛ فقد لا يفهمونه بعقولهم فلا فوت لهم من الانصياع إلى مرشدهم بالكلية كصبى جلس في محل ترزى فعليه طاعته يحيك له قميصا أو عمامة كما يرغب أستاذه لا كما يرغب هو وإن أراد التعلم تخلى عن حريته وتصرفه تماما وأطاع أمر أستاذه . ويحدونا الأمل في الله تعالى أن يتكفل بنا برعايته ؛ لأن عنايته تفوق آلافا من الجهد والسعي من العبد و لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [ سورة القدر الآية 3 ] ومفهوم الآية الكريمة يساوق العقول ( جذبة من جذبات الله تعالى خير من عبادة الثقلين ) أي إذا حلت عنايته تحقق فعل ما ينتجه مائة ألف سعى وزيادة . نعم إن السعي مطلوب ومستحسن ومفيد وعظيم ، لكنه أمام العناية الإلهية ؛ لأنه لا يجدى أمامها قدر جدواها قال لماذا لا يجدى السعي والسعي يأتي أيضا إذا واتت العناية ؟